Publié le : mar 24 Juil 2018

الحرب موت ودمار… لا لعبة صبيان

Share This
Tags

                                  

في هذا اليوم، يوم الاثنين 16 جويليه، كانت انظار العالم متجهة نحو هلسنكي بفنلندا، اين يلتقيا رئيسا اكبر قوتين نوويتين، تمسكان لوحدهما بما يزيد عن تسعين بالمائة من مجموع اسلحة الدمار الشامل، يستطيعان لوحدهما نسف الحياة على كوكبنا في بضع سويعات قليلة . دعاة الحروب والتصادم من الانتهازيين محدودي الافق ، يعتقدون ان أي تقارب بين دونلد ترمب رئيس الولايات المتحدة و فلدمير بوتين رئيس روسيا،لايكون الاعلى حساب سلطانهم ومصالحهم الشخصية، خاصة من هم يعتقدون انهم يمسكون بخيوط اللعبة في الغرب الاوروبي أو الغرب الامريكي ممن لم يتخلصوا بعد من عقد معاداتهم للعدو { الاحمر}، فالحزب الشيوعي انتهى ولم يعد يحكم روسيا منذ قرابة ثلاثة عقود . تاريخيا الولايات المتحدة الامريكية هي انتاج اوروبي لغويا وثقافيا وقيميا، اوروبا وامريكا يتأثران ببعضهما ويؤثران في بعضهما . دونلد ترمب لم يتبع مسار اسلافه من الرؤساء في الوصول الى الحكم ، فهو رجل اعمال شرس، يُرجح التنافس على التصادم،  كسب ثروة طائلة، يتقن فن التفاوض ، برقماتي يؤمن بالملموس يعتقد ان الرخاء للجميع لا يكون الا في زمن السلم . لكن واشنطن تسعى دوما للسيطرة على اوروبا والشرق الاوسط واسيا، وتطمح في ان تظل المرجع العالمي الوحيد الذي يجب الاعتماد عليه، إلا انها غير قادرة على تكوين صداقات بسبب غطرستها ومواقفها المتعجرفة اتجاه زعماء دول العالم. الذين يخشون سطوتها وردود فعلها وامكانية معاقبتها لهم، بما في ذالك بتغيير نظمهم السياسية، واشنطن تدرك هذا وتستغله احسن استغلال، مما حدى بترمب الى طلب تعويضات مِن مَن يقل ان الولايات المتحدة تحميهم، الامرالذي جعل بعض الدول يبحثون عن البديل لإقامة توازنات في القوى العسكرية والسياسية تقيهم الاطاحة بهم وبنظمهم. هنا ظهرت روسيا، للعب دور وجدت نفسها مهيئه له، بعد ان استرجعت قوتها التي فقدتها اثرتفكيك الاتحاد السوفياتي منذ حوالي ثلاثة عقود ، كان الخبراء الامريكيون يتوقعون ان روسيا لاتستعيد عافيتها الا بعد سنة 2020، راقبت موسكو غزو العراق وتدمير ليبيا والطريقة التي حول بها الغرب هذا البلد الغني بالنفط الى دولة منهارة عشش فيها الارهاب . بعد ان استوفت روسيا استعادة قوتها كاملة، بعثت برسالة واضحة الى الولايات المتحدة، مفادها انها لا تعتزم الدخول في حرب أو في سباق تسلح معها، لأنه سوف يكون مكلفا للغاية بالنسبة الى البلدين، وانها ليست في تنافس مع واشنطن في اوروبا أو في الشرق الاوسط أو في اي مكان اخر، الا اذا تعرض امنها القومي للخطر. رأت واشنطن ضعفا في هذا الموقف . ففي سنة 2011، كان الراي العام العربي متجاوبا ومؤيدا للمعارضة السورية ، لما كانت سلمية وغير مسلحة، وفجأة تغير نحوها بمائة وثمانين درجة، بعد ما حولتها القوى الاقليمية والغربية الى حرب اهلية، معيدة بذالك الى الاذهان ما عرفته العراق وليبيا واليمن، رغم كثافة الحملات الاعلامية التوجيهية .  وجدت روسيا نفسها عير قادرة على التدخل على الارض، فانتقل التصادم الى اروقة الامم المتحدة ، مانعة الغرب فعل ما يشاء، لإعادة تكرار الخطأ الليبي . في سبتمبر 2013 ، اتفق براك اوباما مع فلدمير بوتن على انهاء خطته العسكرية ضد سوريا مقابل تفكيك ترسانتها الكميائية ، في تلك الحين اعرب الجهاديون  على رغبتهم في طرد روسيا من قاعدتها البحرية في طرطوس على الساحل السوري، وكشفوا عن نواياهم التوسعية في البلدان المجاورة، فاعلنت « الدولة الاسلامية » عما تريد تحقيقه، مجندتا لذالك عشرات الالاف من المقاتلين الاجانب بما فيهم من روس وصينيين ومعلنة عن اهدافها في الشرق الاوسط واوروبا وروسيا والصين . بدأت ملامح الاستراتجيات المختلفة تلوح في الافق وبدأ الامر يتعقد اكثر، فاستجابت ايران، المعنية بما يدور في محيطها، لنداء الحكومة السورية موفية بالتزاماتها الدفاعية عليها، ابلغ قادة الجمهورية الاسلامية بوتين عن نيتهم قصف تل ابيب، فور اطلاق أول صاروخ امريكي ضد الجيش السوري . في سبتمبر 2015، برز أول دور عسكري روسي مباشر، عندما قررت سوريا وحلفاؤها الاحتفاظ بالسيطرة على الحدود اللبنانية السورية والعاصمة دمشق ومدن حمص  وحمأة وترك جميع المناطق الريفية، لأن المساحات الشاسعة لم تسمح باستعادة الاقليم باكمله . لأن الدعم المقدم للمجاهدين من الغرب والعرب كان هائلا، سمحت بمقتضاه الولايات المتحدة « لداعش » بتوسيع مناطق نفوذها، وتمكين مقاتلوها الاجانب المنتدبين من دخول سوريا عبر تركيا، لقد وُجد النفط والكنوز الاثرية السورية المسروقة في الاسواق التركية والدولية . كما تلقت القاعدة واخواتها الدعم العسكري واللوجستي والاستخبراتي من تركيا في الشمال واسرائيل في الجنوب، بالاضافة الى التدريبات من القوات الخاصة الامريكية ووكالة الاستخبارات المركزية وتلقوا دروسا في الاعلام الدعائي من خبراء غربيين . يبدوا ان المحللين العسكريين والسياسيين كان معضمهم على خطأ لأنهم لم يكونوا على الميدان ولم تطأ اقدامهم منطقة الشرق الاوسط . نسجت بريطانيا، بدهاء ومن وراء الستار، خيوط اللعبة القاتلة في الشرق العربي، دون احساس بذنب أو يقظة ضمير. ترمب وبوتين يعرفان بدقة ما يُخطط في المكاتب المغلقة، لقاء بين رجل اعمال شرس برقماتي، يؤمن بالثروة الحقيقية التي تخلق الشغل لا الثروة الافتراضية التي تتمتع بها اقلية فقط . ورجل استخبارات مخضرم مثقف وذكي، سبرحقيقة التحولات التي يعيشها عالمنا اليوم، تحت اصبعه مفتاح ثان قوة نووية في العالم .  الرجلان لايريدان الحرب ويعرفان اعدائهما، لقد قال سون تزو في فن الحرب { اذا كنت تعرف عدوك وانت تعرف نفسك فلن يكون لديك سبب للخوف من نتيجة مائة معركة }، اقدما الرجلان على تلاقيهما منفردين ، فانطقت الالسن وتوالت التعليق وكثرت التحاليل،  وكلاهما في صراع مع قوى الشر الداعية للتصادم . لقد رسما في لقائهما، بكل شجاعة ومسؤولية وتبصر، ملامح عالم جديد يبدو انه اقرب الى السلم منه الى الحرب ، لأن الحرب موت ودمار لا لعبة صبيان. الطيب شرف الدين